الخميس 15 مُحرَّم 1448هـ 2 يوليو 2026
موقع كلمة الإخباري
محاربة الفساد في نظر السيد السيستاني
حسن الهاشمي
تُعدّ محاربة الفساد من أبرز القضايا التي أكد عليها سماحة السيد علي الحسيني السيستاني في بياناته وخطبه ورسائله، وعدَّها من أهم الواجبات الوطنية والشرعية؛ لما يترتب على الفساد من هدرٍ للمال العام، وإضعافٍ لمؤسسات الدولة، وإهدارٍ لحقوق المواطنين، ومن أبرز معالم رؤيته في هذا المجال:
2026 / 07 / 02
0

تُعدّ محاربة الفساد من أبرز القضايا التي أكد عليها سماحة السيد علي الحسيني السيستاني في بياناته وخطبه ورسائله، وعدَّها من أهم الواجبات الوطنية والشرعية؛ لما يترتب على الفساد من هدرٍ للمال العام، وإضعافٍ لمؤسسات الدولة، وإهدارٍ لحقوق المواطنين، ومن أبرز معالم رؤيته في هذا المجال:

ـ الفساد خطر يهدد الدولة والمجتمع، يرى السيد السيستاني أن الفساد الإداري والمالي من أخطر التحديات التي تواجه العراق، وأنه لا يقل خطورة عن الإرهاب؛ لأنه يقوض مؤسسات الدولة ويمنع تحقيق العدالة والتنمية.

ـ ضرورة مكافحة الفساد بجدية، دعا مرارًا السلطات المعنية إلى اتخاذ إجراءات حقيقية لمحاسبة الفاسدين، وعدم الاكتفاء بالشعارات أو الإجراءات الشكلية، مؤكدًا أن الإصلاح لا يتحقق إلا بتطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

ـ عدم حماية الفاسدين، شدد على أن أي جهة أو شخصية توفر الغطاء للفاسدين أو تعرقل محاسبتهم تتحمل مسؤولية كبيرة أمام الله تعالى وأمام الشعب.

ـ استقلال القضاء، أكد أن نجاح مكافحة الفساد يتطلب قضاءً مستقلاً ونزيهًا، قادرًا على محاسبة المتجاوزين بعيدًا عن الضغوط السياسية أو الحزبية.

ـ الإصلاح مسؤولية مشتركة، يرى أن محاربة الفساد ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع أيضًا، من خلال ترسيخ قيم الأمانة والنزاهة، ورفض الرشوة والمحسوبية، والمحافظة على المال العام.

ـ اختيار المسؤول الكفوء الأمين، دعا المواطنين إلى حسن اختيار ممثليهم، وعدم انتخاب من عُرف بالفساد أو سوء الإدارة، لأن حسن الاختيار يسهم في بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والنزاهة.

إنَّ الفسادَ الماليَّ والإداريَّ إذا استشرى في مؤسسات الدولة فلا يمكن القضاء عليه إلا بإرادةٍ حقيقيةٍ من الجهات المعنية، وبإجراءاتٍ حازمةٍ تعتمد العدالة وسيادة القانون على الجميع بلا استثناء، ولا يجوز التستر على الفاسدين أو حمايتهم، بل يجب تقديمهم إلى العدالة واسترجاع الأموال العامة، والإصلاح الحقيقي يبدأ بمكافحة الفساد وإقامة العدل وصيانة المال العام.

وقد تكررت هذه المضامين في بيانات مكتب السيد السيستاني، ولا سيما في خطب صلاة الجمعة التي ألقاها ممثله في كربلاء خلال الأعوام السابقة، والتي دعت إلى إصلاح مؤسسات الدولة، ومحاسبة الفاسدين، وتعزيز سيادة القانون.

وأكد مرارا الى ان محاربة الفساد لا تقل اهمية من محاربة الارهاب ان لم تكن اهم منها، وأن الفساد المالي والإداري يمثل تهديداً وجودياً للدولة والمجتمع؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل المؤسسات، وهدر الثروات، وإشاعة الظلم، وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية.

وتنبع أهمية هذا الموقف من أن الإرهاب يهدد الأمن بصورة مباشرة، بينما الفساد يضرب أسس الدولة من الداخل، فيُضعف القانون، ويُفقد الثقة بالمؤسسات، ويُهيئ بيئةً للأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ولذلك رأت المرجعية أن المعركة ضد الفساد يجب أن تكون حقيقية وجادة، عبر محاسبة الفاسدين، واسترداد الأموال العامة، وإقامة دولة القانون والعدالة.

نعم، هذا المعنى ورد عن سماحة السيد علي الحسيني السيستاني في سياق حديثه عن أوضاع العراق بعد الانتصارات على الإرهاب، حيث أكد أن مكافحة الفساد تمثل أولوية وطنية كبرى، وأن خطره على الدولة والمجتمع أدهى من بقية المخاطر، حيث إنَّ محاربةَ الفساد لا تقلُّ أهميةً عن محاربةِ الإرهاب، بل قد تكون أهمَّ منه في بعض الجوانب؛ لأنَّ الفسادَ المستشري في مؤسسات الدولة هو العائق الأكبر أمام بناء الدولة وتحقيق العدالة وتوفير الخدمات للمواطنين.

ومغزى هذا الطرح أن الإرهاب يهدد الأمن بشكل مباشر، أما الفساد فيهدد أسس الدولة من الداخل، إذ يؤدي إلى ضياع المال العام، وتعطيل التنمية، وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويفتح المجال لظهور الأزمات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

لذلك كان السيد السيستاني يؤكد باستمرار على محاسبة الفاسدين دون استثناء، استرجاع الأموال العامة المنهوبة، ترسيخ مبدأ سيادة القانون، اختيار المسؤول الكفوء والنزيه، وعدم توفير أي غطاء سياسي أو حزبي للمفسدين.

قد يبرر بعض الاسلاميين سرقاته من موارد الدولة بانها مجهولة المالك، ما رأي السيد السيستاني في ذلك؟ يرفض سماحته هذا التبرير رفضا قاطعا، ولا يجيز الاستيلاء على أموال الدولة بحجة أنها "مجهولة المالك" ففي فتاواه وأجوبة مكتبه، يقرر أن الأموال العامة التي تديرها الدولة ليست مجهولة المالك بالمعنى الفقهي الذي يبيح تملكها، وإنما هي أموال عامة تعود إلى الشعب أو إلى الجهة المالكة لها بحسب نوعها، والدولة مؤتمنة على إدارتها، ولذلك لا يجوز أخذ شيء منها إلا وفق القانون والحق الشرعي.

التعليقات