الخميس 15 مُحرَّم 1448هـ 2 يوليو 2026
موقع كلمة الإخباري
حكمة من خرافات لافونتين: الدب ومحب الحدائق
ميثم الزيدي
ضمن دورة في كلية الدفاع الوطني ببغداد، حضرنا -دارسين- جلسة مناقشة عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، بين كادر جامعة الدفاع للدراسات العسكرية العليا العراقية، وباحثين من مركز نيسا (NESA) الأمريكي، أحد المراكز المهمة في صناعة القرار الاستراتيجي الأمريكي، ومقره واشنطن.
2026 / 07 / 02
0

ضمن دورة في كلية الدفاع الوطني ببغداد، حضرنا -دارسين- جلسة مناقشة عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، بين كادر جامعة الدفاع للدراسات العسكرية العليا العراقية، وباحثين من مركز نيسا (NESA) الأمريكي، أحد المراكز المهمة في صناعة القرار الاستراتيجي الأمريكي، ومقره واشنطن.

طُرح سؤال مباشر:

من أقرب إلى أمريكا وأنفع لمصالحها: إيران أم إحدى دول الخليج؟

الجواب يبدو واضحًا، أليس كذلك؟

فأجاب كادر الجامعة بما يختلج في صدورنا جميعًا، دون تردد: تلك الدولة الخليجية.

لكن الباحثين قالوا العكس تمامًا.

ولم يكن في كلامهم تجريح لحليف ولا مديح لخصم، بل درس بارد في هندسة المصالح: كيف تنظر الدول الكبرى إلى من حولها، لا بعين الود والكراهية، بل بميزان النفع والضرر.

ثم برروا موقفهم بمقولة واحدة أرقتني وحفرت في ذهني، حتى أمضيت أكثر من أربع سنوات أبحث عن أصلها:

«عدو عاقل خير من صديق جاهل».

ولعل سبب تعثري أمران: أني حفظت الكلمات بمعناها لا بدقة لفظها، وأني ظننتها نظرية لأحد المنظرين، فما خطر ببالي أنها حكمة ضاربة في القدم.

حتى قيض لي يومًا أن أطالع خرافات الأديب الفرنسي لافونتين، فإذا ضالتي في حكاية صغيرة… سطر واحد أنهى رحلة أربع سنين.

تعالوا أرويها لكم، بتصرف مني لا يمس الجوهر، وإنما يقربها إلى ذائقتكم.

قصة الدب ومحب الحدائق

في كوخ منعزل عند طرف غابة، عاش رجل مسن وحيد، قد انصرف عن الناس إلى حديقته؛ يسقي زهرها، ويرعى ثمرها، ويحدثها فلا تجيب. حتى إذا أثقلت عليه الوحدة، وأضرت به العزلة، خرج يلتمس أنيسًا يسكن إليه، وصاحبًا يطرد وحشته.

وفي تلك الغابة عاش دب ضخم على مثل حاله؛ قد سئم فراغ أيامه، ومل صمت لياليه، ووجد في وحدته ما يجده الرجل. فلما التقيا فجأة عند منعطف، وقف كل منهما هنيهة على حذر، هذا يرقب، وذاك يتوجس. ثم لم تلبث الوحشة أن غلبت الحذر، والحاجة أن أذابت الريبة؛ فإذا الغريبان صديقان، وإذا اللقاء العابر عقد لا يحل. صداقة غريبة جمعت بين آدمي يعقل ووحش لا يعقل؛ لا يفقه أحدهما لسان الآخر، لكن الوحدة لغة يفهمها كل وحيد.

فأقام الدب عند الرجل يخدمه بما أوتي من قوة؛ يصيد له الطعام، ويحرس عليه الباب، ويذب عنه الأذى. وقابله الرجل بما منح من رحمة وحنو؛ يؤويه في كوخه، ويطعمه من ثمره، ويدنيه من دفء أنسه. فكان كل منهما لصاحبه سندًا وونيسًا. وكان من فرط وفاء الدب أن يقف على رأس صاحبه إذا نام، يطرد عنه الذباب بكفه، والرجل يغفو آمنًا، لا يخطر له أن في الوفاء حتفه.

وذات ظهيرة حارة، غط الرجل في نوم عميق، فجاءت ذبابة لجوج تحط على طرف أنفه. فطردها الدب فعادت، وطردها فعادت، حتى أعياه أمرها واحتدم غيظه. فقال في نفسه: «لأريحنك منها إلى الأبد»، ورفع حجرًا ثقيلًا فوق رأس صاحبه النائم، ثم هوى به بكل قوته على الذبابة.

فسحقها، وسحق معها رأس الرجل، فأرداه قتيلًا، وهو نائم آمن بين يدي أوفى أصدقائه.

قتله بحبه لا ببغضه، وأهلكه وفاؤه لا عداوته. ما أراد الدب إلا الخير، لكن خير الجاهل شر، ووفاء الأحمق هلاك.

العبرة:

لا شيء أخطر من صديق جاهل؛ ولعدو عاقل خير منه.

وهذا اللون من الحكايات، أن ينطق الحيوان ليقال على لسانه ما يثقل على الإنسان سماعه، فن قديم وضع أصلًا لوعظ الملوك والسلاطين، وتأديب الرعية من غير مواجهة تجرح. وأصل هذه الحكاية بعينها شرقي عريق، انحدر من حكمة الهند في «كليلة ودمنة»، ومر بالأدب الفارسي، ثم اختار لافونتين هذا القالب لأنه أبلغ في تليين القلوب، وأنفذ إلى العقول، وأبقى في الذاكرة من الموعظة الصريحة. فإذا الحكمة تطوف الدنيا ثم تعود إلى مهدها الشرقي.

على أن لي مع هذه الخرافة وقفة أخرى؛ فأنا لا أقرؤها في باب الأخلاق وحده، بل أنقلها إلى ميادين الإدارة والسياسة والاستراتيجية. فهنا يتضح سر ذلك الجواب الذي صدمنا يومها؛ فالدول لا تصادق بالعاطفة ولا تعادي بها، وإنما تهندس مصالحها بالعقل. فالخصم العاقل تعرف حدوده، وتحسب خطاه، وتأمن طيشه، أما الحليف الأحمق فقد يجرك إلى الهاوية وهو يحسب أنه ينصرك، ويهدم بنيانك وهو يظن أنه يبنيه. فالعقل، لا الولاء وحده، هو عملة هذا الميدان.

وقد سبق أهل البيت (عليهم السلام) إلى تشخيص هذا المعنى بأدق من كل حكمة؛ فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «لا تصادق ولا تؤاخ أربعة: الأحمق، والبخيل، والجبان، والكذاب؛ أما الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك». فتأمل قوله: «يريد أن ينفعك فيضرك»، فهو تصوير الدب نفسه، أراد النفع فأورث الحتف.

التعليقات