كشفت دراسة طبية حديثة عن ارتباط وثيق بين تراجع حاسة الشم والإصابة بمرض الاكتئاب، مبينة أن الشعور الذاتي للمريض بضعف قدرته على التمييز الشمي يمثل مؤشرا تحذيريا قويا على التدهور النفسي يفوق في دقته القياسات السريرية الموضوعية.
وذكرت دورية (JAMA) الطبية في بيان تابعه كلمة الإخباري: "الشعور بضعف حاسة الشم يرتبط بشكل قوي ومستمر بالاكتئاب، في حين أن ضعف الشم الموضوعي الذي يتم قياسه بأجهزة اختبار، يعد ارتباطه بالاكتئاب أقل وضوحا، لكنه يبقى قويا لدى كبار السن فوق 65 عاما والمصابين بفقدان تام لحاسة الشم".
وأضافت: "الباحث الدكتور هنري بودي من معهد كارولينسكا في ستوكهولم وزملاؤه أجروا مراجعة شاملة لبيانات 7 دراسات مستقلة لفحص العلاقة بين ضعف الشم الذاتي والاكتئاب، و11 دراسة لفحص العلاقة بين ضعف الشم الموضوعي بالاكتئاب ضمن فئات عمرية متنوعة".
وأشارت إلى أن: "الأشخاص الذين يعانون من ضعف الشم الذاتي كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بنسبة تتراوح بين 1.19 و2.05 مرة مقارنة بمن لا يعانون من هذه الشكوى، لترتفع النسبة إلى 1.71 في الدراسات الأكثر دقة، وظل هذا الارتباط ثابتا عبر جميع الفئات العمرية وبغض النظر عن طريقة تشخيص الاكتئاب".
وأوضحت أن: "الدراسات الـ11 أظهرت ارتباطا بالاكتئاب بنسبة بلغت 1.26 للمصابين بضعف شم موضوعي، لكن هذا الارتباط فقد دلالته الإحصائية وانخفض إلى 1.12 بعد تعديل البيانات لمراعاة التحيز النشري، باستثناء كبار السن فوق 65 عاما والمصابين بفقدان تام لحاسة الشم".
وأكدت أن: "النتائج تشير إلى أن فقدان حاسة الشم قد يكون علامة تحذيرية مصاحبة للاكتئاب لتداخل الإحساس بالروائح مع المشاعر والعمليات النفسية في الدماغ، لكن الأدلة الحالية ما تزال غير كافية لاعتبار ضعف الشم مؤشرا تشخيصيا معتمدا أو لإجراء فحوصات روتينية، مع الحاجة لمزيد من الأبحاث لتطوير طرق التشخيص والعلاج".
ويمثل الاكتئاب اضطرابا معقدا يتجاوز في تأثيراته الجوانب النفسية ليمتد إلى الوظائف العضوية والإدراكية، حيث يتقاطع مع مسارات عصبية متعددة في الدماغ.
ويرتبط الجهاز الشمي بشكل مباشر جغرافيا ووظيفيا بالجهاز الحوفي، وهو المركز المسؤول عن معالجة المشاعر والذكريات، مما يفسر التأثير المتبادل بين تراجع القدرة على الشم وتدهور الحالة المزاجية.
ولا تقتصر تداعيات الاكتئاب على مظاهر الحزن أو العزلة، بل تتفرع لتشمل أبعادا أعمق تتمثل في الكآبة الفكرية وتراجع القدرات التحليلية للمريض، مما يجعل من تشخيص الأعراض الجسدية المرافقة نافذة استباقية لاكتشاف المرض مبكرا.
وتكتسب الأبحاث العصبية الحديثة أهمية متزايدة لكونها تسعى إلى إيجاد مؤشرات حيوية قابلة للقياس لتشخيص الأمراض النفسية التي طالما اعتمدت على التقييم الذاتي والسلوكي، ما يفتح آفاقا جديدة لتحسين استراتيجيات التدخل الطبي وفهم الارتباط الوثيق بين الحواس البشرية والصحة العقلية.
المحرر: حسين صباح