الجمعة 25 ذو الحِجّة 1447هـ 12 يونيو 2026
موقع كلمة الإخباري
إياكم والإكثار من شرب الماء
عباس شمس الدين
كنتُ أحاول إجبار نفسي على شرب كميات كبيرة من الماء، بناءً على ضغط الإعلام الطبي الذي يُنادي بوجوب شرب كمية وافية من المياه، وما يترتب على ذلك من فوائد جسيمة لسلامة البدن وصحته؛ فوفق النظرية التقليدية السائدة، يُعدّ شرب ثمانية أكواب يومياً قاعدة شائعة، وإن كان ذلك يُشكّك في الحكمة الخِلقية من العطش. غير أنه تبيّن لي للأسف أنها لا تستند إلى دليل علمي صارم، وتتجاهل الفروق الفردية في الوزن والنشاط البدني والمناخ؛ إذ لم تكن سوى توصيةٍ وردت في مجلة American Journal of Physiology عام 1945، أُسيء فهمُها، فضلاً عن أن مراجعة علمية عام 2002 أكّدت خلوّها من أي أساس علمي رصين.
2026 / 05 / 26
0

كنتُ أحاول إجبار نفسي على شرب كميات كبيرة من الماء، بناءً على ضغط الإعلام الطبي الذي يُنادي بوجوب شرب كمية وافية من المياه، وما يترتب على ذلك من فوائد جسيمة لسلامة البدن وصحته؛ فوفق النظرية التقليدية السائدة، يُعدّ شرب ثمانية أكواب يومياً قاعدة شائعة، وإن كان ذلك يُشكّك في الحكمة الخِلقية من العطش. غير أنه تبيّن لي للأسف أنها لا تستند إلى دليل علمي صارم، وتتجاهل الفروق الفردية في الوزن والنشاط البدني والمناخ؛ إذ لم تكن سوى توصيةٍ وردت في مجلة American Journal of Physiology عام 1945، أُسيء فهمُها، فضلاً عن أن مراجعة علمية عام 2002 أكّدت خلوّها من أي أساس علمي رصين.

ثم كانت هناك (نظرية الشرب الاستباقي) التي تبنّتها شركات المشروبات الرياضية، والتي تحثّ على الشرب قبل الشعور بالعطش، بحجة أن العطش علامة متأخرة على الجفاف.

لأكتشف بعد ذلك أن أحاديث كثيرة وردت تحثّ على التقليل من شرب الماء، منها ما يُروى عنهم عليهم السلام: "راحةُ البدن في قلة الطعام والشراب"، و"إياكم والإكثار من شرب الماء، فإنه مادةٌ لكل داء"، و"لو أن الناس أقلّوا من شرب الماء لاستقامت أبدانُهم"، و"من أقلّ من شرب الماء صحّ بدنُه".

والغريب أن نظرياتٍ ظهرت منذ الثمانينيات تؤكد هذا التوجه، من أبرزها نظرية العطش (Thirst Theory)، ومن أبرز المدافعين عنها البروفيسور تيم نواكس (Tim Noakes)، الذي انتقد بشدة في كتابه Waterlogged نظريةَ الشرب الاستباقي. ويرى نواكس أن الجسم يمتلك جهازاً دقيقاً للتنظيم، وأن المرء ينبغي أن يشرب فقط حين يعطش، لا أن يسبق العطشَ بالشرب، وأن الإفراط في الشرب أخطر من العطش المعتدل. فالإفراط في شرب الماء يُخفّف الصوديوم في الدم مما يُسبّب نقص صوديوم الدم Hyponatremia، وهي حالةٌ قد تكون مميتة. وقد وثّق نواكس حالاتِ وفاة لرياضيي الماراثون ماتوا بسبب الإفراط في الشرب لا بسبب العطش، أو أُصيبوا بإغماءات مطوّلة، أو ارتفعت أوزانُهم ستة كيلوغرامات في غضون ساعات.

ومن جهة أخرى، يكتفي بعض الناس بما يحصلون عليه من ماء عبر ما يتناولونه من خضروات وفواكه، فلا يشربون الماء أصلاً، وهي فكرةٌ يدعمها بعض علماء التغذية المعاصرين. وقد كان أحد المراجع الشهداء لا يشرب قطرة ماء طوال عشرة أيام عاشوراء الأولى.

وفي الإسلام، فإن الشرب جالساً خلال النهار، على دفعات صغيرة، أفضل من الشرب واقفاً؛ رشفاتٍ ثلاثاً متتالية لا دفعة واحدة، لأن الشرب المتسرّع يُرهق الكلى ويرفع الضغط فجأةً في كثير من الحالات. والأصل أن يكون الشرب عن رغبة ولذة، لا عن واجبٍ مفروض أو توقيت محدد، وألا يُكثر منه، وألا يشرب على الأغذية الدسمة، بل لا يشرب بعد الطعام مباشرةً ولا في أثناء تناوله. ويُستحب التسمية قبله، والتحميد بعده، وذكر مصاب الحسين عليه السلام.

التعليقات