إذا اردت النجاة في الدارين، وإذا أحببت ان تواجه الله تعالى بوجه حسن يوم تلقاه، وإذا اعددت جوابا مقنعا حين يسألك الله تعالى عن حسن معاشرته في الحياة الدنيا؟ ما عليك الا ان تعامل جارك بالإحسان، والرفق، وكفّ الأذى، والمواساة، والتفقد، لأن العلاقة مع الجار ليست علاقة اجتماعية عابرة، بل مسؤولية دينية يُحاسَب الإنسان عليها يوم القيامة، عن الإمام الرضا عليه السلام: (وأحسن مجاورة من جاورك، فإن الله يسألك عن الجار) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 12 - ص 11.
الإحسان إلى الجار ليس مستحبا فحسب، بل هو من مكارم الأخلاق المؤكدة، أما سوء معاملة الجار قد تكون سببا في المؤاخذة الإلهية، واعلم ان حسن الجوار يشمل القول الطيب، والصبر على الأذى، والمبادرة إلى الخير.
ما عليك الا ان تكفّ الأذى بكل أشكاله (صوت، تصرف، تعدٍّ) وما عليك الا ان تسأل عن الجار ومساعدته عند الحاجة، وما عليك الا ومشاركته في أفراحه ومواساته في أحزانه، وأخيرا وليس آخرا ما عليك الا ان تحفظ خصوصيته وتحترم حدوده، فالمؤمن الحقيقي لا يكتفي بترك الأذى، بل يسعى إلى نشر الخير في محيطه، وأقرب دائرة لذلك هي دائرة الجوار.
والسؤال الذي ينبري من بين الأسطر ما هي حدود الجيران؟ يجيبنا الامام الباقر عليه السلام بقوله: (حدّ الجوار أربعون داراً من كلّ جانب: من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله) الكافي للكليني ج2 ص666. هذه العبارة تُبيّن سعة مفهوم الجوار في الإسلام، ليس الجار في الإسلام هو الملاصق لك فقط، بل يمتدّ ليشمل دائرة واسعة من الناس المحيطين بك: من أمامك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، إلى أربعين دارا في كل اتجاه، وهذا يدل على أن المجتمع كله مترابط، وأن المسؤولية الأخلاقية لا تقف عند حدود ضيقة.
والدلالات على ذلك كثيرة منها توسيع مفهوم المسؤولية الاجتماعية، فلا يقتصر الإحسان على الجار القريب جدا، والحث على بناء بيئة متكافلة يسودها التعاون والتراحم، وإشعار الإنسان بأنه جزء من شبكة اجتماعية واسعة يُسأل عنها أمام الله.
كيف نطبّق هذا المفهوم؟ نطبقه في حال الاهتمام بأحوال المحيطين بنا، لا سيما في الأزمات، والمبادرة إلى الإصلاح بين الجيران وحل النزاعات، ونشر السلام والاحترام في الحيّ كله، لا في البيت المجاور فقط، والمشاركة في الأعمال الخيرية التي تخدم المجتمع القريب، بهذا الفهم، يتحوّل "الحيّ" إلى أسرة كبيرة، ويصبح الإنسان عنصرا فاعلا في نشر الخير، لا مجرد فرد يعيش بمعزل عن الآخرين.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الجيران ثلاثة، فمنهم من له ثلاثة حقوق: حقّ الإسلام، وحقّ الجوار، وحقّ القرابة، ومنهم من له حقّان، حقّ الإسلام وحقّ الجوار، ومنهم من له حقّ واحد، الكافر له حقّ الجوار) وسائل الشيعة للحر العاملي، ج8 ص488.
هذا الحديث يضع "خريطة أخلاقية" واضحة للتعامل مع الجيران، ويقسّمهم بحسب مقدار الحقوق، لا بحسب مقدار القرب المكاني فقط، فليس كل جارٍ سواء في المسؤولية، بل تختلف الحقوق بتعدّد الروابط، ويمكن شرح التقسيم بشكل أعمق ويتفرع عنه:
أولا: الجار الذي له ثلاثة حقوق: (الإسلام والجوار والقرابة) هذا أعلى مراتب الجوار، لأنه يجمع بين رابطة الدين والنسب والمكان، فالإحسان إليه آكد، وقطع حقه أشدّ قبحا.
ثانيا: الجار الذي له حقّان: (الإسلام والجوار) له حق الأخوّة الإيمانية وحق الجوار، فيُراعى في معاملته الأدب والمواساة والتعاون.
ثالثا: الجار الذي له حقّ واحد: (الجوار فقط، ولو كان غير مسلم) وهذا يكشف بوضوح أن الإسلام لا يحصر الأخلاق داخل دائرة المسلمين، بل يثبت للإنسان ـ بما هو إنسان وجار ـ حقا لا يُهدر.
الدلالات العميقة لهذا الحديث تعمق الأخلاق في الإسلام الذي يبنى على تعدّد الروابط، وكلما كثرت الروابط زادت المسؤولية، فالجوار ليس علاقة حيادية، بل عقد أخلاقي غير مكتوب، حتى المختلف معك في الدين له حق ثابت، وهذا يعكس إنسانية التشريع الإسلامي.
ولو نظرنا إلى حياتنا اليوم، نجد أن هذا الحديث يُعالج كثيرا من المشكلات اليومية، ففي الأحياء السكنية، فان رفع الأصوات، رمي النفايات، التضييق في المواقف… هذه كلها انتهاك لحق الجوار، حتى لو لم يكن الجار مسلما، وفي المجتمعات المختلطة، فالتعامل مع غير المسلمين أو المختلفين فكريا يجب أن يكون قائما على الاحترام؛ لأن لهم "حق الجوار" الذي لا يسقط، وفي العلاقات العائلية إذا كان الجار قريبا، فإهماله يجمع بين قطيعة رحم وسوء جوار، وهو أمر مضاعف الأثر، وفي الأزمات (مرض، فقر، فقدان) يظهر الامتحان الحقيقي لحقوق الجوار؛ فالمطلوب ليس فقط "عدم الأذى" بل المبادرة بالعون.
الحديث يريد أن ينقلنا من مجرد "التعايش" إلى "التراحم" ليس المطلوب أن تقول: أنا لا أؤذي جاري، بل أن تسأل هل أديتُ حقه كما ينبغي؟ فبقدر ما نُحيي هذه المعاني، يتحول الحيّ من مجموعة بيوت متجاورة إلى مجتمع حيّ تسوده المودّة والطمأنينة.
وعلى هذا فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكد على الاهتمام بالجيران بقوله: (إنّ الله تبارك وتعالى أوصاني بالجار، حتى ظننت أنّه يرثني) الكافي للكليني ج2 ص668. كثرة وصية المَلَك جبريل للنبي الأكرم بالجار جعلت النبي يظن أن الجار سيُعطى نصيبا من الميراث، وهذا تعبير عن المبالغة في تأكيد حقه، والمقصود ليس أن الجار يرث فعلا، بل بيان أن حقه عظيم جدا حتى كاد يُلحق بحقوق الأقارب.
الجار له مكانة عالية في الإسلام تقارب مكانة ذوي القربى، والإحسان إلى الجار ليس خُلُقًا عاديا، بل من علامات كمال الإيمان، أما الإساءة إلى الجار تُعد من الذنوب العظيمة، فلو التزم الناس بهذا الحديث، لاختفت كثير من مشاكل الأحياء (الإزعاج، الخصومات، القطيعة) وانه يجعل الإنسان يراجع سلوكه، هل أنا جار "مُحتمل" فقط، أم جار "محسن"؟ يدعو إلى الانتقال من الحد الأدنى (كفّ الأذى) إلى الحد الأعلى (الإحسان والمواساة).
الحديث يريد أن يرفع الجار من مجرد "ساكن قريب" إلى "صاحب حقّ عظيم" حتى يشعر الإنسان أن علاقته به مسؤولية دينية يُسأل عنها أمام الله، وهذا يتجسد في قول الرضا عليه السلام عن آبائه: (قيل: يا نبيَّ الله، في المال حقّ سوى الزكاة؟ قال: نعم، برّ الرحم إذا أدبرت، وصلة الجار المسلم، فما (آمن بي) من بات شبعاناً وجاره المسلم جائع) عيون اخبار الرضا للصدوق، ج2 ص24.
ليس المقصود نفي الإيمان بشكلٍ كامل، بل المقصود نفي كمال الإيمان؛ أي أن إيمان الإنسان ناقص إذا كان يعيش حالة من الأنانية، فيشبع وينعم، بينما جاره يعاني من الجوع والحاجة وهو يعلم بحاله، هذا الحديث يحمل عدة معانٍ مهمة منها المسؤولية الاجتماعية، فالإسلام لا يقبل أن يكون الإنسان منعزلاً عن معاناة من حوله، لما له الأثر في التكافل والتراحم، ومن المعلوم ان الإيمان الحقيقي يظهر في مواساة الآخرين، خصوصاً الأقربين مثل الجيران، وهكذا جاء التحذير من ان يبيت الانسان شبعانا وجاره جائع دون مبالاة، فهذا يدل على قسوة القلب وضعف الإيمان.
في زماننا هذا، قد لا يكون الجوع فقط جوع الطعام، بل يشمل الفقر والحاجة، والمرض وعدم القدرة على العلاج، والوحدة أو الضيق النفسي، وقد تكون العائلة متعففة لا تسأل، يتيم أو أرملة مرضى بحاجة الى مساعدة، فالسؤال عن أحوال الجيران بشكل دوري يساعد في تقديم المساعدة ولو بالقليل (طعام، مال، دعم معنوي) والمشاركة في المبادرات الخيرية وعدم الاكتفاء بالعبادات الفردية دون مراعاة حقوق الآخرين، ومن الواضح ان الإيمان في الإسلام ليس مجرد صلاة وصيام، بل هو سلوك عملي حيّ، يظهر في الرحمة والعطاء، فمن أراد كمال الإيمان، فعليه أن يشعر بآلام من حوله، وأقربهم إليه جاره.
عن الحسين بن علي، عن أخيه الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: (رأيت أمّي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعةً ساجدةً حتّى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم، وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها يا أمّاه لِمَ لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت يا بنيّ: الجار ثمّ الدار) الكافي للكليني ج2 ص666. اختَر الجار قبل أن تختار الدار؛ لأن صلاح الجوار وراحة البيئة الاجتماعية أهم من جمال البيت أو سعته.
هذه العبارة تختصر فلسفة اجتماعية متكاملة، الجار أساس الراحة، قد يكون البيت جميلاً، لكن سوء الجوار يحوّله إلى ضيق وهمّ، علاوة على الأمن النفسي والاجتماعي، الجار الصالح يمنح الطمأنينة، ويكون عوناً في الشدائد، والإسلام يقدّم الوشائج الاجتماعية المتينة والعلاقات الطيبة على المظاهر والبذخ والانعزال.
نرى كثيراً من الناس يندمون على اختيار منزلٍ في بيئة سيئة، مشاكل مستمرة، غياب الاحترام انعدام التعاون، بينما قد يعيش آخرون في بيوت بسيطة، لكن مع جيران طيبين، فيشعرون براحة وسعادة.
الحياة علمتنا انه وقبل السكن في مكان جديد، نسأل عن الجيران، نحرص على بناء علاقات طيبة مع من حولنا، "الجار ثمّ الدار" ليست مجرد نصيحة، بل قاعدة للحياة، فالإنسان بجيرانه، لا بجدران بيته.