ربما يتساءل بعضنا: هل نحن من يصنع العنف؟ وهل لهذا التساؤل إجابة واضحة؟ في الآونة الأخيرة، وعلى غرار السنوات الماضية، تكررت حوادث العنف بصورة مقلقة، حتى باتت تطفو على السطح بشكل ينذر بالخطر. طبيب يعنف زوجته ويحرق وجهها متسبباً بفقدانها إحدى عينيها، وتصاعد مستمر في معدلات العنف الأسري بحسب آخر الإحصاءات الرسمية للنصف الأول من عام 2026؛ إذ سُجلت أكثر من تسعة آلاف حالة عنف ضد النساء، مقابل ألفين ومئتي حالة ضد الأزواج.
وما زاد المشهد قتامة وفداحة، تلك الحادثة المروعة التي هزت الشارع العراقي، حين تعرضت طفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها لاعتداء على يد طفلين من جيرانها، يبلغان من العمر عشرة وأحد عشر عاماً، قبل أن تُلقى في مسبح لتفارق الحياة. كما شهدت الساحة حادثة أخرى تمثلت في إقدام طبيب أسنان عراقي مقيم في كندا على قتل طفليه إثر خلافات أسرية، فضلاً عن عشرات الوقائع والمآسي التي يشيب لها الولدان.
وأمام هذه المشاهد المؤلمة، يبرز تساؤل جوهري: هل العنف طبع أصيل في الإنسان، أم سلوك مكتسب تفرضه الظروف والمؤثرات المحيطة؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإحاطة بمفهوم العنف، وتفكيك أنواعه، ودراسة أسبابه وآثاره، وصولاً إلى سبل معالجته.
مفهوم العنف
تطرح الدكتورة حلا الجابري الموسوي تعريفاً مختصراً وشاملاً للعنف، يستند إلى الدراسات النفسية السريرية وما أجمع عليه أطباء النفس وعلماء الاجتماع، قائلة: إن العنف هو استخدام متعمد للقوة أو السلطة ضد فرد أو جماعة، بما يؤدي إلى إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي. وقد يكون سلوكاً فردياً أو جماعياً، تختلف أشكاله وحدته تبعاً لطبيعة المجتمعات والبيئات التي نعيش فيها.
أنواع العنف
أولاً: العنف الجسدي. ويشمل جميع أشكال الإيذاء البدني، كالضرب، والركل، والصفع، واستخدام الأدوات المختلفة لإلحاق الضرر بالضحية. وغالباً ما يترك هذا النوع آثاراً واضحة قد تصل إلى التشويه أو الإعاقة أو حتى الوفاة.
ثانياً: العنف الأسري. وهو ما يحدث داخل الأسرة، ويشمل الإيذاء الجسدي والنفسي واللفظي، وفرض السيطرة الجائرة على الأفراد الأضعف فيها.
ثالثاً: العنف الجنسي. ويُعد من أخطر أنواع العنف بسبب آثاره النفسية والجسدية العميقة، التي يصعب على الضحية تجاوزها.
رابعاً: العنف الاجتماعي. ويظهر على مستوى الأفراد والمجتمعات، ويشمل التمييز والعنف الجماعي ضد فئات معينة، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وارتفاع معدلات الجريمة.
خامساً: العنف الاقتصادي. ويتمثل في التحكم بالموارد المالية للضحايا وإخضاعهم اقتصادياً بهدف التضييق عليهم وفرض السيطرة.
سادساً: العنف الرقمي. ويشمل استخدام وسائل التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي لممارسة التنمر، أو الابتزاز، أو التحرش، أو نشر صور ومقاطع للضحايا دون موافقتهم.
سابعاً: العنف المدرسي. ويحدث داخل المؤسسات التعليمية، سواء بين الطلاب أنفسهم، أو بينهم وبين المعلمين، وقد يمتد إلى الكوادر التدريسية، ويشمل التنمر والعنف الجسدي واللفظي.
في حين يقسم بعض الباحثين العنف إلى نوعين رئيسيين: الأول: العنف المباشر، كالتعنيف الجسدي واللفظي. الثاني: العنف غير المباشر، ويتمثل في زرع الأفكار والسلوكيات العدوانية عبر المحتوى الإعلامي والأفلام والمقاطع التي تروج للعنف وتجعل المجتمع يطبع معه.
وفي هذا السياق، تذكر الباحثة نور محمد العتيبي: أنه من منظور علم النفس، أوضحت نظرية التعلم الاجتماعي للعالم ألبرت باندورا أن الإنسان يتعلم السلوك العدواني من خلال الملاحظة، والتقليد، والتعزيز، وهو ما يفسر انتقال أنماط العنف عبر الأسرة والإعلام والبيئة المحيطة. كما تشير دراسات الصدمات النفسية إلى أن التعرض للعنف في مرحلة الطفولة يزيد من احتمالية ممارسته أو التعرض له في مراحل لاحقة من الحياة، إذا لم تتوفر عوامل الحماية والدعم النفسي.
ولا شك في أن تطبيق القانون، وتعزيز الصحة النفسية، ونشر ثقافة الحوار، وبناء أسرة آمنة ومدرسة داعمة، تمثل جميعها ركائز أساسية للحد من هذه الظاهرة. فالمجتمعات التي تستثمر في الوقاية والتربية والإرشاد النفسي تحقق انخفاضاً ملحوظاً في معدلات العنف، مقارنة بالمجتمعات التي تكتفي بردود الأفعال بعد وقوع الجريمة.
أسباب العنف
الأسباب الفردية: وتضم الاضطرابات النفسية والسلوكية، مثل اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع أو اضطرابات التحكم بالانفعالات. كما يشمل الإدمان على المخدرات والكحول وما يسببه من ضعف في السيطرة على السلوك، فضلاً عن التعرض للعنف خلال الطفولة، والإحباط، والضغوط النفسية، وضعف مهارات التواصل وحل النزاعات.
الأسباب الاجتماعية والثقافية: وتبرز من خلال انتشار ثقافات تمجد العنف وتعده وسيلة لحل الخلافات، إلى جانب التفكك الأسري وضعف الروابط العائلية، وتأثير وسائل الإعلام التي تبث مشاهد العنف بصورة مستمرة، فضلاً عن التمييز والإقصاء الاجتماعي والشعور بالظلم.
وفي هذا الصدد، ذكر العقيد مؤيد هادي، من مديرية الشرطة المجتمعية، في تصريح سابق له؛ أن تعاطي المخدرات يُعد من أبرز الأسباب التي تقف وراء ارتفاع حالات العنف الأسري، مبيناً أن هناك عوامل رئيسة أخرى تسهم في التفكك الأسري، في مقدمتها ضعف الدخل الشهري وتردي الحالة المادية لبعض العائلات، فضلاً عن تعاطي المشروبات الكحولية.
الأسباب السياسية والاقتصادية: تلعب الحروب والصراعات السياسية دوراً كبيراً في نشر ثقافة العنف؛ ولذلك تزداد معدلاته في المجتمعات التي عانت من النزاعات لفترات طويلة. كما أن التفاوت الطبقي واحتكار الثروة من قبل فئات محدودة يؤديان إلى تنامي مشاعر السخط والإحباط، مما يرفع احتمالات اللجوء إلى العنف. ويُضاف إلى ذلك ضعف سيادة القانون وعدم تطبيقه بحزم، الأمر الذي يدفع بعض الأفراد إلى أخذ حقوقهم بأيديهم.
آثار العنف
لا تقتصر آثار العنف على الضحية أو الجاني فقط، بل تمتد لتطال المجتمع بأسره. فعلى المستوى الفردي، قد يواجه الجاني العقوبات القانونية، فضلاً عن الآثار النفسية التي قد تظهر لاحقاً، مثل الشعور بالذنب، أو الندم، أو العزلة الاجتماعية. أما على مستوى المجتمع، فإن العنف يزرع الخوف وانعدام الأمان، ويؤثر سلباً في جودة الحياة، ويزيد الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالرعاية الصحية والمنظومة القانونية. كما يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وانتشار الأمراض النفسية، مثل الاكتئاب، والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة.
كيف نحمي أنفسنا من العنف؟
مواجهة العنف تتطلب منظومة متكاملة من الحلول على مستويات متعددة:
على مستوى الفرد: من خلال تنمية مهارات التواصل وإدارة الغضب، وتعزيز ثقافة الحوار وحل النزاعات سلمياً، وتوفير خدمات العلاج النفسي، فضلاً عن نشر الوعي بمخاطر العنف.
على مستوى الأسرة: عبر اعتماد التربية الإيجابية القائمة على الاحترام والحوار، والابتعاد عن العقاب البدني والتعنيف اللفظي، ودعم الوالدين ببرامج إرشادية تساعدهم في تربية الأطفال، إلى جانب تقوية الروابط الأسرية.
على مستوى المجتمع: ويكون ذلك بنشر قيم التسامح والسلام، وتعزيز شبكات الدعم الاجتماعي، وتفعيل دور المدارس، والجوامع، والكنائس، والنوادي في نشر التوعية.
على مستوى الدولة والمؤسسات: من خلال تطبيق القوانين الرادعة لمختلف أشكال العنف، وتوفير الحماية القانونية للفئات الأكثر ضعفاً وفي مقدمتها النساء والأطفال، وتحسين الظروف الاقتصادية وخلق فرص العمل، بالإضافة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية.
أما الدكتورة حلا الجابري الموسوي، المختصة بالطب النفسي، فذكرت -إضافة إلى المشكلات النفسية التي قد يعاني منها الأشخاص وحلولها- جزئية مهمة تمس حياتنا من أجل تقديم حلول جذرية للعنف في المجتمع، وهي: ضرورة التمسك بمبادئ الدين إذا ما فُهمت بشكل صحيح ومنهجي، ووضع مخافة الله فوق كل شيء، ومعرفة الغاية من وجود الإنسان والهدف من خلقه.
وأشارت إلى أن الغاية من وجودنا ما هي إلا إعمار الأرض وخلافتها بالحق، وأن الله تعالى أقر مبدأ الثواب والعقاب، وسيحاسب كل إنسان على ما يقدمه؛ فهو مطلع على سرائر البشر. وهنا يجب على الإنسان أن يلتفت جيداً، ويفكر في ما يفعل، ويضبط شهواته ورغباته؛ لأن ما يفصل بينه وبين الحيوان هو العقل فقط، وإن غاب عنا العقل سيطرت علينا الصفات الحيوانية، وحينها سنفقد بوصلة الوعي الحقيقية.
وفي الختام... يبقى الجدل قائماً حول طبيعة العنف؛ فهناك من يراه ظاهرة طارئة يمكن الحد منها عبر معالجة أسبابها، بينما يعتقد عدد من علماء النفس والاجتماع أن العنف غريزة إنسانية أصيلة تظهر بأشكال مختلفة تبعاً للظروف المحيطة.
ويبقى الباب مشرعاً للتساؤل: هل العنف جزء متجذر في الطبيعة البشرية، أم أنه سلوك يكتسبه الإنسان من مجتمعه وتجارب حياته؟