النظرة المادية السطحية تقول ان من يكتنز المال فانه يحافظ عليه، بل هو قابل للزيادة بعد الادّخار المتكرر، بيد ان النظرة المعنوية العميقة تؤكد ان من ينفق المال في سبيل الله سيخلفه الله اضعافا مضاعفة من البركة والسعة في الرزق وسيكون من الفائزين يوم الفزع الأكبر، هذا المعنى لا يروق لكل أحد الا أولئك الذين امتحن الله قلوبهم بالإيمان، فجادوا بالعطية لما يحملون من ايمان راسخ بان الله سيخلفهم خير الدنيا والآخرة، ولا غرابة في موقف الإمام الصادق (عليه السلام) مع ابنه محمد حينما سأله: (يا بني كم فضل من تلك النفقة؟ فقال: أربعون دينارا، قال: اخرج فتصدق بها، قال: إنه لم يبق معي غيرها، قال: تصدق بها، فإن الله عز وجل يخلفها، أما علمت أن لكل شئ مفتاحا ومفتاح الرزق الصدقة، فتصدق بها، قال: ففعلت، فما لبث أبو عبد الله (عليه السلام) إلا عشرة أيام حتى جاءه من موضع أربعة آلاف دينار) بحار الانوار للمجلسي: 78 / 206 / 54.
"أما علمت أن لكلّ شيء مفتاحا، ومفتاح الرزق الصدقة" التعبير بـ "المفتاح" يوحي بأنّ الرزق قد يكون موجودا، لكن له أبواب مغلقة، والصدقة هي التي تفتح هذه الأبواب، فكما أن لكل باب مفتاحا، فإنّ من أهم مفاتيح الرزق الإنفاق في سبيل الله.
الروايات في هذا الصدد تؤكد على ان العطاء سبب للزيادة، لا للنقصان، كيف نفهم ذلك واقعيا؟ ليس المقصود فقط الزيادة المادية المباشرة، بل يشمل بركة في المال القليل، حفظ المال من التلف والخسارة، تيسير أبواب العمل، دفع البلاء الذي قد يقطع الرزق.
هذا المفهوم يربّي الإنسان على الثقة بالله تعالى بدل الخوف من الفقر، الكرم بدل الشح، العمل بالأسباب المعنوية إلى جانب الأسباب المادية، فالصدقة ليست عملاً ثانويا، بل هي مفتاح من مفاتيح الرزق الإلهي، ومن يفهم هذا السر، يتعامل مع المال بمنطق مختلف، يعطي ليُعطى، وينفق ليُفتح له.
الإمام علي (عليه السلام) كان أكثر وضوحا حينما قال: (استنزلوا الرزق بالصدقة) بحار الانوار للمجلسي: 78 / 68 / 13. وهذا الحديث يحمل معنى تربوياً عميقاً في العلاقة بين الإنسان وربّه، فالصدقة ليست مجرد عمل إحساني اجتماعي، بل هي سبب من أسباب نزول الرزق وتوسيعه، فالإنسان حين يُعطي مما في يده، فإنّه في الحقيقة يُظهر توكّله على الله، ويُعبّر عن يقينه بأنّ الله هو الرزّاق لا المال.
ولكن كيف تستنزل الصدقة الرزق؟ تستنزلها لأنها تفتح أبواب البركة، قد لا يزداد المال ظاهراً، لكن البركة فيه تكبر بشكل ملموس، علاوة على دفع البلاء، فالصدقة تدفع المصائب التي قد تُذهب المال أو الصحة، ناهيك عن التعويض الإلهي، الله تعالى وعد بالخَلَف، كما في قوله: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) سبأ: 39. وقبل كل شيء فالصدقة تقوم بتطهير النفس من الشح، مما يجعل الإنسان أكثر سكينة ورضاً، وهذا بحد ذاته رزق عظيم لا يدركه الا الموقنون.
في الواقع العملي كثيرا من الناس يلاحظون أنّه كلما ضاقت عليهم الأمور، بادروا بالصدقة، وهذه المبادرة تفتح لهم أبوابا لم يكونوا يتوقعونها، وهذا ليس بالضرورة أن يكون فورياً أو مادياً فقط، بل قد يأتي على شكل فرصة عمل، سلامة من خسارة، راحة نفسية، أو توفيق في الحياة.
الصدقة ليست إنقاصاً للمال، بل استثمارٌ عند الله، وهي من أسرار التدبير الإلهي التي تجعل العطاء سبباً للزيادة، لا للنقصان، بل الإمام الصادق (عليه السلام) ذهب أكثر من ذلك بقوله: (الصدقة تقضي الدين وتخلف بالبركة) بحار الانوار للمجلسي: ٩٦ / ١٣٤ / ٦٨. "تقضي الدَّين": أي أنّ الصدقة تكون سببا في تيسير سداد الديون، إمّا بفتح باب رزق، أو بتخفيف الأعباء، أو بإيجاد حلول لم تكن في الحسبان، "تُخلِّف بالبركة": أي أنّ ما يُنفق لا يضيع، بل يُعوَّض ببركةٍ في المال أو الحياة، وقد تكون البركة أعظم من نفس المال.
كيف يتحقق ذلك؟ الصدقة تؤثّر بطرق متعددة، منها فتح أبواب الرزق غير المتوقعة، دفع البلاء الذي قد يسبب خسائر مالية، زرع الطمأنينة في النفس، مما يعين على حسن التدبير، جلب التوفيق في السعي والعمل، قد لا يرى الإنسان الأثر مباشرة، لكن مع الاستمرار تتيسّر الأمور، وتخفّ الضغوط، ويجد أن المال القليل أصبح يكفيه أكثر من السابق.
الصدقة ليست خسارة، بل سبب لقضاء الديون، ومصدر لبركةٍ تمتدّ في المال والحياة، وما أحلى الحياة إذا ما اقترنت بتيسير الأمور وجلب البركة، لا يزال الانسان المؤمن يكدح الى ربه كدحا فملاقيه بنفس مطمئنة وبدون عناء يذكر، مقارنة بذلك الذي يتعثر في الأولى ويلاقي ربه بوجه كالح في الآخرة، وهو الخسران بعينه لقوم يتفكرون.