دخول حركة أنصار الله (الحوثيين) في المواجهة الشاملة الحالية يتجاوز حدود الاحتمالات التكتيكية ليقفز إلى مرتبة الحتمية الاستراتيجية التي تفرضها عقيدة وحدة الساحات المتداولة في أدبيات المحور.
في الصراع الراهن، تخلت صنعاء عن موقعها كجبهة إسناد ثانوية لتتحول إلى خنجر جيوسياسي مسلط على الخاصرة الرخوة للاقتصاد الغربي، وتحديدا في الممرات المائية الحساسة.
تتأسس الفاعلية اليمنية في هذه الحرب على مرتكزات تعيد تعريف قواعد الاشتباك الإقليمي:
الاختناق البحري وتسليح الجغرافيا:
بالتزامن مع تعرض البنية التحتية الإيرانية لضربات أمريكية، وانخراط حزب الله في حرب استنزاف قاسية، تبرز صنعاء كقوة متمرسة قادرة على فرض حصار ناري محكم على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
لا تقف الغاية عند تحقيق مكاسب عسكرية، بل تتعداها إلى رفع كلفة الشحن وأسعار الطاقة عالميا، لخلق ضغط أوروبي مضاد يجبر واشنطن على التراجع، محققا الرغبة الإيرانية في تحويل النزاع الإقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية.
تشتيت الجهد الدفاعي الإسرائيلي:
توجيه أسراب المسيرات الانتحارية والصواريخ الباليستية وفرط الصوتية نحو إيلات ومينائها الحيوي يهدف تكتيكيا إلى إجبار إسرائيل على بعثرة منظومات دفاعها الجوي الطبقية على امتداد مسرح عمليات مترامي الأطراف.
هذا التشتيت الجغرافي يعتبر تغطية نارية غير مباشرة تسهل اختراق صواريخ الشمال لسماء تل أبيب وحيفا.
استنزاف الأصول البحرية الأمريكية:
تدرك القيادة المركزية الأمريكية تعقيدات تحييد منصات الإطلاق المتحركة في تضاريس اليمن الوعرة. انخراط الحوثيين بكامل ثقلهم يفرض على المدمرات الأمريكية البقاء في استنفار دائم، مما يجر واشنطن إلى فخ استنزاف غير متكافئ، تهدر فيه ذخائر اعتراضية باهظة الثمن لإسقاط مقذوفات يمنية منخفضة الكلفة.
اللادولة كعقدة تفاوضية:
توظف طهران حليفها اليمني كعقدة مستعصية على الحلول العسكرية الكلاسيكية. الرسالة الموجهة لواشنطن تؤكد أن مفاتيح الملاحة العالمية ستبقى رهينة بيد فصيل عقائدي محصن ضد ضغوط العقوبات الاقتصادية والتهديد بتدمير البنية التحتية، نظرا لتكيفه الطويل مع ظروف الحصار.
تمثل جبهة اليمن الرقم الأصعب في معادلة حرب الاستنزاف الحالية. الانخراط اليمني الشامل ينقل الصراع من محاولة لإسقاط النظام الإيراني إلى أزمة خانقة تضرب سلاسل الإمداد الدولية، ويضع الإدارة الأمريكية أمام مسرح عمليات يتجاوز قدرتها على الحسم السريع ويفرض عليها مراجعة جذرية لأهدافها الاستراتيجية.